الشيخ محمد رشيد رضا
240
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكذب بأمور أهمها عدم التحيز والتشيع لمضمون الخبر وعدم تقليد بعضهم لبعض فيه . وآية صحة هذا التواتر حصول العلم القطعي به وإذعان النفس له ، وعدم إمكان رده اعتقادا ووجدانا ، وهذا غير حاصل في آيات الأنبياء الأولين عندهم . وأما آية القرآن فهي باقية ببقائه إلى يوم القيامة ، وكل واقف على تاريخ الاسلام يعلم علما قطعيا أنه متواتر تواترا متصلا في كل عصر ، من عصر الرسول الذي جاء به إلى الآن ، وأما الذي يخفى على كثير منهم فهو وجوه إعجازه وقد شرحنا شبهتهم عليه وبينا بطلانها في هذا البحث ، وإذ قد ثبت بذلك كونه وحيا من اللّه تعالى فقد وجب الايمان بكل ما أثبته من آياته في خلقه سواء أكانت لتأييد رسله وإقامة حجتهم أم لا ، وكما يجب على كل مؤمن به أن يؤمن بها ، يجب أن يؤمن بانقطاع معجزات الرسل بعد ختم النبوة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإذ كان لا يجب على مسلم أن يعتقد بوقوع كرامة كونية خارقة للعادة بعد محمد خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يضر مسلما في دينه أن يعتقد كما يعتقد أكثر عقلاء العلماء والحكماء من أن ما يدعيه الناس من الخوارق في جميع الأمم أكثره كذب وبعضه صناعة علم ، أو شعوذة سحر ، وأقله من خواص الأرواح البشرية العالية ( 7 ) إن الثابت بنصوص القرآن من آيات الأنبياء المرسلين المعينة قليل جدا . فما كانت دلالته قطعية من هذه النصوص فصرفه عنها بالتحكم في التأويل الذي تأباه مدلولات اللغة العربية ، وينقض شيئا من قواعد الشرع القطعية ارتداد عن الاسلام ، وما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية وجب حمله على ظاهره إن لم يعارضه نص مثله أو أقوى منه ، فان عارضه فحينئذ ينظر في الترجيح بين المتعارضين بالأدلة المعروفة ، والخروج عن ذلك ابتداع